الياس شوفاني
297
الموجز في تاريخ فلسطين السياسي
ب ) مقاومة الاستيطان الصهيوني وكان طبيعيا نتيجة تبلور الوعي القومي ، من خلال اليقظة الفكرية والثقافية في الوطن العربي ، وبالتالي تشكل الحركة القومية العربية ، التي تناضل من أجل الحرية والاستقلال والوحدة والتطور الاجتماعي ، أن تتصدى القوى السياسية والشعبية للصهيونية ، فكرا وممارسة . وفي الواقع ، وبحدود القدرة الذاتية على القيام بما يلزم لذلك ، وأكبت المقاومة العربية الاستيطان الصهيوني منذ بدايته . لكن تلك المقاومة ، ولظروف ذاتية وموضوعية ، لم تستطع الحؤول دون تجسيد المشروع الصهيوني في فلسطين . فعلى الصعيد الموضوعي ، كانت المقاومة العربية تنطلق من قاعدة إمبراطورية متهاوية - السلطنة العثمانية - بينما الصهيونية تنطلق من قاعدة إمبريالية صاعدة . وإذ كانت الحركة العربية مستنزفة في الصراع داخل معسكرها ، سواء بين التيارات المتعددة فيها ، أو مع النظام العثماني الحاكم ، كانت الحركة الصهيونية ترتب أوضاعها لتكون على أعلى درجات الانسجام مع الإمبريالية الأوروبية . وبينما تمحور صراع الحركة القومية العربية حول التخلص من نير الحكم التركي ، كان النشاط الصهيوني يتركز على دعم الدول الأوروبية للإجهاز على السلطنة العثمانية ، وتقسيم أراضيها ، وتخصيص فلسطين قاعدة للمشروع الصهيوني ، في مواجهة الحركة القومية العربية . ومن سخرية القدر أن تجد الحركة القومية العربية نفسها متحالفة ، من أجل تحقيق أهدافها ، مع الدول الإمبريالية الأوروبية ، التي تشكل « البلد الأم » للصهيونية . وعلى الصعيد الذاتي ، فإن الموقف السياسي النظري ، المعادي للصهيونية في الجانب العربي ، لم يترجم نفسه في حركة سياسية منظمة وفاعلة . وذلك على العكس من الحركة الصهيونية ، التي راحت بعد مؤتمر بازل ( 1897 م ) تصوغ منظمتها بالشكل الذي يحقق أهدافها . ومنذ البداية ، وفي مقابل تمركز النشاط الصهيوني ، وتحديد أهدافه العملية ، وبالتالي حشد مقوماته لإنجاز تلك الأهداف ، ظلت المقاومة العربية مبعثرة ، وتعاني الانفصام بين النظرية والتطبيق . فحالة الوعي التي كانت في طور التشكل ، والتي تمحورت حول القضية الضاغطة - العلاقة مع الحكم العثماني - مع أنها لم تكن غافلة عن الخطر الصهيوني ، وكذلك الوضع الاجتماعي - السياسي للشعب العربي عند انطلاق الصهيونية كحركة سياسية ، تمتلك مشروعا استيطانيا ، لم يكن من شأنهما تأهيل الحركة القومية العربية لبناء التنظيم السياسي ، وبالشكل المطلوب ، القادر على مواجهة الحركة الصهيونية ودحرها . وكان واضحا أن الحركة القومية العربية لم تكن تمتلك برنامجا - فكريا أو سياسيا أو عمليا - موحّدا في مواجهة